بعد انتهاء العطلة الفصلية يتم التحضير من قـِـبل الكادر الإداري في المدارس لاجتماع أولياء الأمور؛ لمناقشتهم في النتائج الامتحانية الفصلية لأبنائهم .

جاء اليوم الموعود .. فمنذ اللحظة الدرسية الأولى والطلاب يهمسون بين بعضهم البعض من سيحضر من أهله ، والإدارة أيضا ً كانت مشغولة في تحضير القاعة التي سيتم فيها استقبال أولياء الطلاب.

بلبلة عارمة عمَّـت الممرات وساحة المدرسة ..البعض ابتسم وآخرون لم يكترثوا أبدا ً .

وما إن قـُـرع الجرس حتى بدأنا كهيئة تدريسية التجمع في المكان المخصص لنا .


كان قسم كبير من الأهالي قد أخذوا أمكنتهم منتظرين حضورنا .. استقبلونا بوجوه مليئة بالفرح والسرور والشكر العميق للجهد الذي نبذله في تعليم أبنائهم .

لم تتسع القاعة المحددة لنا ولهم ، فطـُـلب منا الذهاب إلى أقرب قاعة درسية .. أعجبتني الفكرة .. ضحكت في نفسي وقلت :

ها أنا من جديد أعود طالبة ..

ذهبت بصحبة إحداهن إلى المقعد الأخير وانتظرت امتلاء المقاعد .. ليس بالطلاب هذه المرة ، وإنما بالأهالي .

جلست أراقبهم الواحد تلو الآخر وهم ينتقون أمكنتهم بخطوات ثقيلة وعيون متعبة ، فيها قليل من الأمل ، وكثير من الصبر .

بدأ الاجتماع فطلبت الإدارة من الكادر التدريسي الجلوس أمام الأهل في صف مواز ٍ ؛ كي يتمكنوا من مناقشتهم جميعا ً .

اتخذتُ لنفسي مكانا ً بينهن _ لأن المدرسين لم يجدوا لهم مكانا إلا على المقاعد _ ورحتُ أرد على من يوجه إليَّ سؤالا ً .

بين الفينة والأخرى كنتُ أتفرَّس ملامح الآباء والأمهات .. فتغمرني السعادة وكثير من الفرح الذي لا يخلو من الحزن ..

وجوه مملوءة بالخطوط التي تنم عن الحياة القاسية التي عايشوها ومازالوا .. أجساد هزيلة نحيلة .. حياة ريفية بسيطة .. العلم عندهم أقدس من كل شيء في الوجود .

وأبناؤهم .. لا حول لهم ولا قوة .. لا يجيدون شيئا لا علم ولا غيره .. أو الأصح يبرعون في الكثير من الكلام الذي تحتويه القصاصات الورقية التي نجدها في المقاعد وعلى صفحات دفاترهم بين الحين والآخر .. أما الصور فهي من كافة الأشكال والألوان للكثير والكثير من نجوم الفن والرياضة .. وأيضا الاعتناء بالمظهر ابتداء من الشعر وانتهاء بالحذاء لا أحد يضاهيهم فيه والكثير الكثير ..

كدتُ أنسى شيئا مهما .. الروائح الباريسية المنعشة التي يتفنون في انتقائها .

انتهى الاجتماع فقمنا بمصافحة الأهل على أمل أن يكون المستوى العلمي لأبنائهم في الفصل الدراسي الثاني أفضل بكثير .

أذكرُ أنني في يوم من الأيام كنتُ طالبة _ ولا زلت _ على مقاعد الدراسة .. كنتُ شقية ، متفوقة ، وأعتني بمظهري ، لكنني لم أكن كطلاب هذه الأيام .

Advertisements