d8afd982d98ad982d8a9-d8a3d985d984-d984d984d8a8d98ad8b95


الصقيع يفترس المكان.. الظلال منتشرة في كل ناحية. في هذه الزاوية يعلو صوت بائع وفي تلك يعلو صوت آخر.. أبواق السيارات عند إشارات المرور وغيرها..

الفتية والفتيات أنظارهم مشدوهة نحو ما تعرضه المحلات من آخر صرخات الموضة؛ الأوساخ أيضاً وجدت طريقاً إلى كلّ منحنى من ذلك الشارع.

على جانب من الرصيف اتخذ له مكاناً قصياً.. أصبح المكان الذي يبادله الألفة. فتى في ربيع العمر قـُـدِّر عليه أن يحيا يتيماً بعد أن أورثه والداه أخاً وأختين، بضعة ألم.. وحفنة تشرّد.

في عينيه يستوطن الحزن مذ حرمانٍ ونيّف.. قسمات وجهه ترسم القهر والعذاب، ساعداه الصغيران لفحتهما شمس الصيف الماضي .


لم يختر العمل بملء إرادته وإنما الظروف جعلته في موقع المسؤولية قبل أوانه بكثير. يجلس على كرسيه الخشبي، ينحت البرد على وجهه طلاسمه المعهودة؛ أنفه الأحمر، يداه المرتجفتان، فلا سترة تقيه مما هو فيه، الفقر والبؤس عنوان جبهته، وحذاءٌ مهترئ، ثم بنطالٌ ممزق.

العمل بطلاء الأحذية.. اللون الأسود .. وهل هناك ظلام أكثر مما هو فيه!! لا يرتفع له رأس طيلة النهار من أجل أن يؤمـِّـن ما يقوِّت به صراخ جوعه وأخوته، رائحة الأطعمة من المحلات القريبة تداعب أنفه الصغير.. يـُـطلق زفرة تكاد تحرق نَفَسه حزناً.

وذاك الرجل القائم على رأس الفتى ينتظر تلميع حذائه، ينظر هنا وهناك بحثاً عن وجه فاتنة بثياب تـُـظهر بعض مفاتن الجسد ليرضي شبقه المترف، لا يفكر ولو للحظة أن ينظر بعينيه إلى ذالك البريء الذي يـُـمارس عليه دور السيد..

ينتهي الطفل من تلميع حذائه.. يرفع رأسه إلى الأعلى ليرى الكائن الواقف أمامه، يرمي له الرجل بالقطعة النقدية دون أن يسأله إن كانت كافية أم لا.

بعد ساعات يذهب إلى أقرب دكان؛ يبتاع منه ما يحتاجه وأخوته.. يطرق الباب تفتح أخته الصغيرة التي تستقبله بضحكة تعلو وجهها.. يـُـسرع إلى حملها بين يديه ويزرع قبلة على جبينها..

بعدها يجتمعون حول مائدة واحدة.. الجميع يأكل وهو ينظر بعينيه – الفرحتين الحزينتين في الوقت نفسه – إلى أخوته … يتوقف عن الطعام ليراقبهم، ترتسم ابتسامة صغيرة على ثغره مع دمعة تنسكب من عينه..

لقد حان وقت النوم ليبدأ الحلم الكابوس.. الحلم بالحصول على حياة أفضل بعيداً عن التشرّد والظلم والقهر؛ والكابوس بالعمل الذي ينتظره في صباح الغد.. بحثاً عن دقيقة أمل للبيع..

Advertisements